عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

61

معارج التفكر ودقائق التدبر

عزّ وجلّ يحكم يوم الدّين على من كان في الحياة الدّنيا ضالّا بالضّلال ، ويحكم لمن كان في الحياة الدّنيا مهتديا بالهدى وهو ما جاء بيانه في الآية نفسها ، ومفاد هذا السؤال المطويّ : هل يعلم اللّه ما كان عباده يصنعون في الدّنيا من خير وشرّ ، وحسن وقبيح ، حتّى ما كان من مكتسبات قلوبهم وإراداتهم ونفوسهم وأجهزة الإدراك لديهم ؟ فجاءت هذه الجملة جوابا على هذا السؤال المطويّ . عَلِيمٌ : صيغة مبالغة ، أي : بالغ علمه بهم كلّ شيء ، كبيرا كان أم صغيرا ، ظاهرا كان أم باطنا ، جسديّا كان أم نفسيّا ، حتى مكتسبات القلوب والنفوس والأذهان الإراديّة . عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ : أي : عليم بما يعملون الآن في الحياة الدّنيا لحظة فلحظة ، وما يصنعون في أقلّ زمن يحصل فيه عمل ما جسديّ أو نفسي . وما يعلمه اللّه - جلّ جلاله وعظم سلطانه - يظلّ معلوما لديه أبدا ، لأنّ اللّه سبحانه لا يضلّ ولا ينسى ، ويعلم السّرّ وأخفى . كيف لا يعلم سبحانه أعمال العباد ومكتسباتهم الإراديّة ، الظاهرة والباطنة ، الجسديّة والنفسيّة ، مع أنّه ما من ذرّة في الوجود كلّه ، ولا أصغر ولا أكبر إلّا هو عليم بها ، وبخصائصها ، وصفاتها ، وموقعها ، وأجزائها ، وحركة أجزائها ، حتى الإلكترونات حول نويات الذّرّات ، وهو مع علمه بها يمدّها بقوت بقائها في الوجود ، وبقوت حركاتها في دورانها في مداراتها الذّرّيّة . وقد جاء بعض تفصيل لشمول علم اللّه في القرآن ، فقال اللّه عزّ وجلّ في سورة ( الأنعام / 6 مصحف / 55 نزول ) : * وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ